Top
Image Alt

تعريف السجع لغةً واصطلاحًا، والسجع عبر العصور

  /  تعريف السجع لغةً واصطلاحًا، والسجع عبر العصور

تعريف السجع لغةً واصطلاحًا، والسجع عبر العصور

السجع في اللغة: الكلام المقفَّى، أو موالاة الكلام على روي واحد، وجمعه: أسجاع وأساجيع، وهو مأخوذ من سَجع الحمام، وسجع الحمام هو هديله وترجيعه لصوته. وفي اصطلاح البلاغة: تواطؤ الفاصلتين أو الفواصل على حرف واحد، أو على حرفين متقاربين، أو حروف متقاربة. ويقع في الشعر كما يقع في النثر. فمما تواطأت فيه الفواصل على حرف واحد قول الله تعالى: {وَالطّورِ (1) وَكِتَابٍ مّسْطُورٍ (2) فِي رَقّ مّنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} [الطور: 1- 4] إلى آخره. وكذا قوله -جل وعلا: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً (1) فَالمُورِيَاتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} [العاديات: 1- 3]. ومن التواطؤ على حروف متقاربة: قول الله تعالى: {وَعَجِبُوَاْ أَن جَآءَهُم مّنذِرٌ مّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـَذَا سَاحِرٌ كَذّابٌ (4) أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَـَهاً وَاحِداً إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلاُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىَ آلِهَتِكُمْ إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَـَذَا فِى الْمِلّةِ الاَخِرَةِ إِنْ هَـَذَا إِلاّ اخْتِلاَقٌ} [ص: 4- 7] فالباء والدال والقاف حروف متقاربة. كذا قوله تعالى: {قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوَاْ أَن جَآءَهُمْ مّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 1، 2]. فالدال والباء حرفان متقاربان. ومن وقوعه في الشعر قول أبي تمام:

تجلَّى به رشدي وأثرتْ به يدي

*وفاضَ به ثَمْدي وأورَى به زِندي

وقول المتنبي:

فنحن في جذل والروم في وجل

*والبر في شغل والبحر في خجل

جذل: هو الفرح، والوجل: هو الخوف، والمعنى: نحن فرحون بالنصر والروم في خوف من غاراته، والبَر مشتغل بجيش الممدوح، والبحر في خجل من غزارة كرمه. هذا ويرى بعض البلاغيين كالسكاكي والخطيب: أن السجع لا يكون إلا في النثر، وأنه لا يكون إلا بتواطؤ الفاصلتين أو الفواصل على حرف واحد، فليس منه التواطؤ على حروف متقاربة. يقول الخطيب: “السجع تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهذا معنى قول السكاكي: الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر”. ولشراح (التلخيص) كلام حول عبارة السكاكي هذه، وفحوى كلامهم: أن التشبيه لا يصح إلا بحمل كلام السكاكي على أنه أراد بالسجع الفاصلةَ الثانيةَ التي واطأت الأولى، ولا يمكن حمل كلامه على أن المراد بالسجع تواطؤ الفاصلتين؛ لأنه لو كان هذا مراده لَمَا صح التشبيه؛ لأن القافية إما كلمة كما يرى الأخفش، وإما الحرف الثاني في البيت إلى أول متحرك بعد ساكن بينهما، وعلى هذا فإن الثانية قد تتحقق بجزء كلمة، وقد تتحقق بكلمة وجزء أخرى. ومهما يكن من أمر، فالأَولى هو ما ذكرناه؛ لأن السجع قد ورد في الشعر كما ورد في النثر؛ ولأن معظم البلاغيين جعلوا منه التواطؤَ على حروف متقاربة.

هنا تتردد كلمات: الفقرة، والقرينة، والفاصلة، تتردد هذه الكلمات كثيرًا في باب السجع، فينبغي أن نعرف المراد بكل منها، فذلك أن الفاصلة: هي الكلمة الأخيرة من الفقرة أو القرينة، والفقرة أو القرينة بمعنًى واحد وهي الجملة التي تنتهي بالفاصلة، فمثلًا: قول الله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مّسْتَمِرّ} [القمر: 1، 2] الفاصلة كلمة: {الْقَمَرُ} في الآية الأولى، و{مّسْتَمِرّ} في الآية الثانية، والفقرة أو القرينة هي الآية كلها، كل آية فقرة أو قرينة.

ونحن لو تتبعنا مراحل هذا المصطلح -مصطلح السجع- لرأينا أن السجع مصطلح بلاغي عُرف منذ العصر الجاهلي قبل أن توضع مصطلحات العلوم، ومنذ معرفته في ذلك العصر -وحتى الآن- ودلالته لم تتغير ولم تتبدل، وعلى الرغم من أن بعض العلماء قد أطلقوا على هذا الأسلوب في القرآن الكريم اسمَ الفواصل بدلًا من السجع، إلا أن دلالته ظلت باقيةً حتى الآن، وكان للسجع منزلة سنية بين العرب في الجاهلية، فلقد كثر في كلامهم، كان يصدر منهم عن طَبْع سليم، وسليقة قوية، وفِطرة واضحة. من ذلك قول أوس بن حارثةَ موصيًا ابنَه: “يا مالك المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد لا التبلد، واعلم أن القبر خيرٌ من الفقر، وشر شارب المُشَتَف، وأقبح طاعم المقتف، وذهاب البصر خير من كثير النظر”.

ومنه قول قس بن ساعدة الأيادي في سوق عكاظ، وهو مشهور: “أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر”. ومنه أيضًا قول عبد المطلب بن هاشم يهنئ سيفَ بن ذي يزن باسترداد مُلكه من الحبشة: “إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلًا رفيعًا صعبًا منيعًا، باذخًا -يعني: عاليًا- شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعزت جرثومته -جرثومة والأرومة هي الأصل- وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن”. وإلى جانب هذا السجع الفطري وُجِدَ نوع آخر من السجع المتكلف، وهو سجع الكهان، كقول سُطيح بن مازن وهو من كهان العرب، في تعبير رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي أحد ملوك اليمن: “أحلف بما بين الحَرتين من حنش، ليهبطن أرضَكم الحبش، وليمكنن ما بين أبينَ إلى جرش”. وقول شق أنمار من كهان العرب في تعبير تلك الرؤيا: “أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليغلبن على كل طَفلة البَنان، وليملكن إلى ما بين أبينَ ونجران”.

ومن ذلك أيضًا: قول كاهن الخزاعي في تنفير هاشم بن عبد مناف على أخيه أمية بن عبد شمس: “والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدي بعلم مسافر من منجد أو غائر، لقد سبق هاشم أميةَ في المآثر”. وفي العصر الإسلامي نهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن سجع الكهان، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قَضَى في جنين امرأة ضربتها أخرى، فسقط ميتًا، قضى بِغُرة -أي: عبد أو أمة- على عاقلة الضاربة، فقال رجل منهم: كيف نَدي من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، ومثل ذلك دمه يُطل -أي: يهدر- فقال صلى الله عليه وسلم: (( إياكم وسجعَ الكهان)) أو ((أسجعًا كسجع الكهان؟)). وسبب نهيه صلى الله عليه وسلم عن سجع الكهان يرجع إلى ما فيه من التكلف والتصنع، كما هو وارد في هذا الأثر، وما تضمنه من أحكام تخالف تعاليمَ الإسلام، وما يقصد إليه الكاهن من التزييف، وتزيين الباطل؛ كي يعلو على الحق، ولم يقصد صلى الله عليه وسلم النهي عن السجع مطلقًا، بل قصد النهي عن هذا النوع منه وهو سجع الكهان.

ودليل ذلك أن أسلوب السجع قد ورد في النظم الكريم على نحو ما رأينا، وكما ورد أيضًا في أقواله صلى الله عليه وسلم من ذلك قوله: ((يقول العبد: مالي مالي، وإنما لك من مالِك يا بن آدم ما أكلت فأفنيتَ، أو أعطيت فأمضيتَ، أو لبست فأبليت))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)). وفي أقوال أصحابه رضي الله عنهم ما جاء من قول عبد الله بن عباس في وصف أبي بكر رضي الله عنه: “رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تاليًا، وعن المنكر ناهيًا، وبذَنْبه عارفًا، ومِن الله خائفًا، وعن الشبهات زاجرًا، وبالمعروف آمرًا، وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، فاق أصحابه ورعًا وكَفافًا، وسادهم زُهدًا وعفافًا”.

وإذا كان سجع الكهان قد اختفى بمجيء الإسلام، فقد ظهر نوع آخر من السجع أغرق منه في الكذب والضلال، وأكثر منه اضطرابًا في النظم وسماجة التركيب، ألا وهو سجع مدعي النبوة، الذين استخفوا قومهم فأطاعوهم، من ذلك قول مسيلمة الكذاب: “يا ضُفدع نقي نِقي، لِمَ تنقين!! لا الماء تُكدِّرين، ولا الشراب تَمنعين”. وإذا ما استثنينا هذا النوعَ -وهو سجع مدعي النبوة- نجد أن أسلوب السجع ظل قويًا مطبوعًا، وبخاصة في الوصايا، والحكم، والوعظ، والأجوبة، والنوادر، وغير ذلك من فنون القول، حتى أواسط القرن الرابع الهجري، حيث امتزج العجم بالعرب، ودَبَّ الفساد في اللغة، وعدَل القوم عن الأسلوب الفطري المطبوع، وتحولوا إلى الزخرف والزينة، فكان الإسراف والإفراط، وظهرت الصنعة والتكلف، ليس في السجع فحسب بل في مختلف الفنون البلاغية.

error: النص محمي !!