Top
Image Alt

القضاء في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

  /  القضاء في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

القضاء في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

لما تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة بعد أبي بكر اهتم بأمر القضاء، فوجه إليه جل عنايته خصوصًا بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية اتساعًا هائلًا في عهده، بعد الانتصارات على الفرس وعلى الروم، فشملت الدولة الإسلامية بلاد الفرس، والشام، والعراق، والكوفة، والبصرة ومصر، وغيرها من الدول التي كانت خاضعةً للرومان، حتى أصبحت الدولة الإسلامية في عهد عمر دولةً مترامية الأطراف.

ومن ثمّ اتسعت أعباء الحكم، وازدادت مهام الولاة، فكان -ولا بد- من تغيير في نظام القضاء لا يمس بالجوهر، ولكن يلاحظ هذه الأعباء الكثيرة، ويدخل من التعديلات ما يستطيع به الخليفة، وما يستطيع به الولاة أن يُراعوا مقتضيات الحالة نحو هذه الولاية الهامة التي يقوم عليها العدل في ربوع الدولة الإسلامية.

فبدأ عمر بالفصل بين السلطتين “السلطة القضائية والسلطة التنفيذية” فعل هذا عمر ففصل القضاء عن الولاية، فعين ولاة للحكم وعين قضاة للفصل بين الخصومات، وأشخاص هؤلاء غير أشخاص هؤلاء من باب  التعاون، وتوزيع المسئوليات سعيا منه إلى تحقيق العدل والاستقرار والأمن في ربوع الدولة الإسلامية.

فمثلًا ولى عمر بن الخطاب أبا الدرداء قضاء المدينة، يعني هو كان موجودًا في المدينة كخليفة وحاكم للدولة كلها، ومع ذلك كان لا يقضي بنفسه إلا في الجنايات، وقليل من القضايا، أما أكثر القضايا فولى عليها أبا الدرداء رضي الله عنه، وكذلك ولى عمر شريحًا قضاء البصرة بجانب وليها الحاكم، وولى أبا موسى الأشعري قضاء الكوفة، وعثمان بن قيس بن العاص قضاء مصر، ويروى أنه قال لبعض قضاته: “رد الناس عني في الدرهم والدرهمين” هذا في المدينة، والمقصود في “رد الناس عني في الدرهم والدرهمين” أي: قم أنت بالفصل في الخصومات بالنسبة للقضايا المتعلقة بالمال القليل؛ واترك لي أنا الفصل في القضايا المالية والجنائية، خصوصًا ما كان من القضايا المالية في أموال كثيرة.

ولما كان القضاء جزءًا من الولاية العامة كان من حق صاحب هذه الولاية أن يخص القاضي ببعض أنواع القضايا دون غيرها؛ يعني أن القضاء هو أصلًا من سلطة الخليفة، وهو يستعين ببعض القضاة حتى يخففوا العبء عنه، فمن حقه -لأن القضاء هو أصلًا حقه- أن يشترط وأن يخصص لبعض من يوليهم القضاء أنواعًا خاصة من القضايا؛ ولذا فإن عمر رضي الله عنه حينما خصص بعض الأفراد للقضاء جعل قضاءه قاصرًا على فصل الخصومات المالية بالمدينة.

أما القضايا الجنائية، وما يتعلق بها من القصاص والحدود، فقد بقيت في عهد الخلفاء في يد الخليفة وولاة الأمصار، يعني: استمرت القضايا الجنائية، والقضايا المالية الكبيرة ظلت في يد الخليفة في العاصمة.

أما القضايا الجنائية فكانت في يد الولاة في الأمصار والولايات، لكن القضاة الذين يعينهم عمر في هذه الأمصار كانت مهمتهم الفصل في القضايا غير الجنائية، وكان الخليفة عمر كما قلنا هو الذي يعين القضاة؛ يعني يعين القضاة في هذه الأمصار، هذا النظام سوف يتغير بعد ذلك، لكن وهو في المدينة كان يعين القضاة في مصر، وفي البصرة، وفي الكوفة وفي أمصار الإسلام المختلفة.

وكان عمر لا يكتفي بتعيين هؤلاء القضاة، إنما كان يراسلهم أيضًا، ويكتب إليهم ويوصيهم، وكانوا هم أيضًا يراسلونه ويخبرونه، ويسألونه فيما يعترضهم من قضايا فيها إشكاليات، وفيها غموض، يسألونه عن كيفية القضاء فيها، وكان عمر يرسل إليهم بإجاباته وتوجيهاته، وكان أيضًا إذا بلغه عن قاض أنه جار في حكمه -أي: ظلم أو انحرف عن الجادة كان يحاسبه، وكان أحيانًا يعزله إذا رأى أن المصلحة تقتضي ذلك.

ومع هذا فقد أبقى عمر بعض ولاته على القضاء، استثناءً من القاعدة، جمع عمر لبعض الولاة بين الولاية والقضاء، لكن هذا لا يخالف القاعدة العامة،  هذا استثناء من الأصل في النظام الذي اتبعه عمر، الأصل أنه يفصل بين الولاية الحكم السياسي التنفيذي وولاية القضاء، لكنه إذا رأى في بعض الولاة الكفاءة والقدرة أو رأى أن المصلحة تقتضي ذلك؛ لأن مصره أو ولايته في مكان قليل مكان ضيق في مكان مشاكله قليلة، ورأى في هذا الوالي أنه يصلح أن يتولى مع السلطة التنفيذية سلطة القضائية فعل ذلك.

ومن هؤلاء المغيرة بن شعبة، فقد أرسله في أمر القضاء وكان واليه على البصرة ثم الكوفة، ومنهم أيضًا معاوية بن أبي سفيان واليه على الشام، فقد أرسله مع كونه واليًا في أمر القضاء ولاه الشام أيضًا، وأرسل أبا موسى الأشعري وهو باليمن في شأن القضاء.

أما الذين ولاهم القضاء فقط فمنهم عبد الله بن مسعود لقضاء الكوفة، سليمان بن ربيعة على أهل القادسية، شريح بن الحارث الكندي لقضاء الكوفة، أبو مريم الحنفي لقضاء البصرة، ثم عزله لما وجد فيه ضعفًا، واستعمل بدلًا منه كعب بن سور الأسدي، أما قضاة المدينة الذين كان عمر يستعين بهم فمنهم علي بن أبي طالب، زيد بن ثابت السائب بن يزيد، وهذا خصصه عمر في الفصل في القضايا البسيطة، أي: في الأموال القليلة.

وهكذا عمر قسم القضايا إلى نوعين هذا بالإضافة إلى أنه فصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية في الغالب الأعم، فإنه قسَّم القضايا المالية أو القضايا إلى نوعين؛ نوع بسيط يتعلق بأمور سهلة يسيره أو بأموال قليلة، وهو الذين يعرف الآن بالقضايا الجزئية.

النوع الثاني: القضايا الكبيرة أو النوع الذي يُعرف الآن بالقضايا الكلية، فهو أول من أدخل هذا التعديل في النظام الإسلامي، فقسّم القضايا إلى بسيط وهو خاص بالقضايا الصغيرة، والقضاء الكلي وهو لما عدا القضايا الصغيرة من القضايا، وهذه كان يُنظرها -يعني القضايا الكبيرة-  علي بن أبي طالب أو زيد بن ثابت في المدينة أو عمر نفسه -لأنه هو الأصل- أو هم جميعًا أو اثنين منهم حسب مقتضيات الأحوال والظروف أو هم جميعًا، ومن يدعوهم الخليفة كمستشارين للنظر معه في القضية المعروضة قبل الحكم فيها.

ومن العجيب أن بعض الدول الحديثة أخذت بهذا النظام، بالإضافة إلى أن سيدنا عمر بن الخطاب قد أرسل بعض الكتب لبعض ولاته مثل كتابه إلى شريح القاضي، بيّن له فيه كيف يقضي، وماذا يفعل، وكيف يتصرف بين الخصوم، وقد حفظ لنا التاريخ كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، وكتابه إلى شريح القاضي، وقد شكك بعض الناس في نسبة هذا الكتاب وفي مدى صحته، ومن هؤلاء من هو من المستشرقين مثل جولدتسيهر، ومن هم بعض المشتغلين بالفكر الإسلامي الحديث.

لكن الصحيح أن كتاب عمر إلى شُريح القاضي هو كتاب صحيح النسبة إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حيث السند ومن حيث المتن، ومن المؤسف أيضًا أن بعض هذا الذين أنكروا نسبة هذا الكتاب إلى عمر ابن حزم في (المحلى)؛ لأنه يخالف القياس الذي لا يأخذ به الظاهرية.

وعلى أي حال فيجدر بنا أن نذكر شيئًا من هذا الكتاب؛ لندرك إلى أي مدى كان الفكر العمري سبّاقًا، وأن عمر رضي الله عنه كان يضع الأصول التي سار عليها القضاة بعد ذلك، فهي أصولًا مأخوذة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلمها عمر من رسول الله، وكان يطبقها عندما كان يعاون أبا بكر رضي الله عنه.

جاء في هذا الكتاب ما يلي: “بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن قيس سلام الله عليك، أما بعد:

فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة. أي: أن القضاء ينبعث من الأصول الثابتة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس على هوى القاضي.

ثم يقول: “فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلمٌ بحق لا نفاذ له. يعني لا تحكم قبل أن ترفع إليك القضية، وترفع إليك الدعوى حتى يأتي الحكم صحيحًا، ويسمع كلامك ويطاع”.

ثم يقول: “آسِ بين الناس في مجلسك، وفي وجهك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. هنا يطلب سيدنا عمر من القاضي أن يسوي بين المتخاصمين، آسِ: أي سوي، سوي بين المتخاصمين في المجلس، يعني في مجلسك، لا يجلس واحد ويقف واحد، لا، الخصوم يتساوون أمام القاضي إما في جلوسهم وإما في وقوفهم، حتى في التحدث إليهم، انظر إلى قوله: وفي وجهك؛ يعني: إذا ابتسمت لأحدهم تبتسم للآخر، إذا زجرت أحدهم تزجر الآخر وهكذا.

فيقول: “فافهم إذا أدلي إليك، آسِ بين الناس في مجلسك، وفي وجهك وقضائك. حتى لا يتصور شخص أنه من الممكن أن يؤثر عليه، فتجور وتظلم”.

ثم يقول: “البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ومن ادعى حقًّا أو بينة، فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فأين بينه أعطيته وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو الأبلغ في العذر وأجلى للعماء”.

معنى هذا أن ما يقوله هو مأخوذ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول له: اطلب من المدعي البينة، ومن أنكر اجعله يقسم بالله، وإنه إذا مال المتخاصمين إلى الصلح، فهذا جائز إلا أن يكون صلحًا على شيء حرمه الله أو على تحريم شيء أحله الله، ويقول له: إن من ادعى حقًّا أو بينة، وليست موجودة هذه البينة أو ليس بين يديه الدليل على هذا الحق- فضرب له أمدًا؛ أي: أجله إلى مدة معلومة، فإن مضت المدة ولم يحضر البينة أو الدليل فاحكم عليه؛ فهذا معناه: أنه يتحرى العدل بقدر ما يستطيع، يقول سيدنا عمر: فهذا أبلغ في العذر، يعني التأجيل أبلغ في العذر، وأجلى للعمى، يعني: أوضح للمتخاصمين وللقاضي نفسه.

ثم يقول: ولا يمنعك قضاء  قضيت فيه اليوم، فرجعت فيه رأيك فهديت فيه إلى رشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم. يقول للقاضي: إنك إذا حكمت في قضية ثم اتضح لك أن هذا الحكم غير الحق، فراجع نفسك، وفي قضية أخرى: لا تحكم بما حكمت به سابقًا.

ويستمر سيدنا عمر في كتابه، فيقول له: “ثم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس فيه قرآنٌ ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق”. يعني هنا يعرف سيدنا عمر القاضي كيف يحكم إذا لم يكن هناك نص في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، يعلمه كيف يجتهد وذلك عن طريق القياس، يقول له: قس الأمر الجديد على ما عرف في الكتاب وفي السنة، وألحق الشبيه بشبيهه والمثل بمثله، وهذا هو معنى القياس، وإذا تشابهت عليك الأمور فانظر إلى ما جاء في كتاب الله أو في سنة رسول الله، وأحبها إلى الله، فاحكم به باجتهادك، ولا تخشَ يعني ما دام غرضك قصد الحق.

ثم يقول له: “وإياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والنكر عند الخصومة؛ فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذكر”. ثم يرشد ناصحا له: حاول أن تصل إلى الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا،  وحاول ألا تقتضي وأنت في حالة غير طبيعية فيؤثر عليك غضبك، فتحكم بغير ما يرضي الله، فلا تحكم وأنت غضبان، ولا وأنت قلق، جائع أو  يغلب عليك النعاس أو يعني متضايق أو مشغول بأي أمر من الأمور؛ أي: فرغ نفسك تمامًا حتى تحكم بالعدل، ولا تؤثر عليك أية مؤثرات نفسية داخلية أو خارجية.

ويبين له أن القاضي إذا تحرى الحق، فثوابه عند الله كبير جدًّا، فالله سبحانه وتعالى يعطيه الثواب في الدنيا والآخرة، فيحسن له في رزقه، ويبارك له في عمله، فمتى خلصت نية القاضي في الحق -ولو على نفسه- كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين مما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليكم ورحمته الله وبركاته.

تأمل كيف أن سيدنا عمر يرغب القاضي ويرهبه، ويقول له: “لا تخشَ في الحق لومة لائم، فما دام بينك وبين الله صلة وإخلاص، فلا تخش أحدًا كائنًا من كان، فحكم بالحق والعدل، ولو على نفسك أو أقرب الناس إليك” وهذا ولا شك مأخوذ من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الكتاب حاول بعض الناس التشكيك فيه، كالظاهرية الذين شككوا فيه؛ حيث المتن؛ لأن فيه الإشارة إلى القياس وهم ينكرون القياس، والصحيح هو أن هذا الخطاب أو الكتاب صحيح، وأن القياس الذي ورد فيه هو المبني على المشابهة، وهذا موجود بكثرة في آيات القرآن الكريم، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما دفع الظاهرية إلى إنكاره إلا مبالغتهم في اتباع الظاهر، وظنهم أن القياس هو اتباع للهوى وأخذ بالرأي مجرد الرأي، وهذا غير صحيح، وليس المجال الآن مجال تفنيد قولهم أو الرد عليهم.

وطعن في متن هذا الكتاب بعض المستشرقين مثل “جولدتسيهر” وهو رجل معروف بعصبيته وبعده عن الحق؛ لأنه رجل مغرض، ومن العجب أن بعض المفكرين المسلمين مثل الدكتور حسن عبد القادر في كتابه (نظرة عامة في تاريخ الفقه) شكك في نسبة هذا الكتاب، وكذلك الدكتور أحمد البهي في كتابه (تاريخ القضاء في الإسلام) حاول التشكيك، لكن ليست لهم حجة، وهذا الخطاب أو الكتاب صحيح النسبة، قد ذكره ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) وذكر ما يستفاد منه، وبعض المفكرين المعاصرين فند حجج هؤلاء -إن كانت لهم حجج- سندًا ومتنًا.

error: النص محمي !!